المفكر د/ بدي ولد أبنو وتميز الرؤية الاستشرافية/الولي سيدي هيبه

أربعاء, 10/06/2026 - 11:54

...لم تعد موريتانيا، التي أصبحت في قلب التحولات الجيوسياسية العالمية، ذلك الكيان الهامشي البعيد عن حسابات القوى الدولية، بل أصبحت بفعل موقعها الجغرافي واكتشافاتها الغازية والطاقوية وطموحاتها المعلنة جزء من معادلات جيوسياسية جديدة...

بعد مرور أشهر على المحاضرة التي ألقاها المفكر بدي ولد أبنو يوم 7 فبراير 2026، ضمن ندوة 'التحولات الجيوسياسية وتأثيرها على موريتانيا' التي نظمها المركز الموريتاني للبحوث والدراسات الإنسانية، ما تزال أفكارها تحتفظ بقدر لافت من الراهنية والحيوية، ما يعكس عمق التحليل ورصانة القراءة الاستشرافية التي قدمها. فالتطورات الدولية المتسارعة التي شهدها العالم منذ ذلك التاريخ، خاصة ما يتعلق بتصاعد التنافس بين القوى الكبرى على مصادر الطاقة وممرات التجارة والنفوذ الاستراتيجي، أكدت أن المحاضرة لم تكن مجرد قراءة لواقع آني، بل محاولة لفهم الاتجاهات العميقة التي تعيد تشكيل النظام الدولي.

انطلاقا من هذه الرؤية، قدم الدكتور بدي ولد أبنو قراءة استراتيجية تعتبر أن موريتانيا لم تعد ذلك الكيان الهامشي البعيد عن حسابات القوى الدولية، بل أصبحت بفعل موقعها الجغرافي واكتشافاتها الغازية والطاقوية جزء من معادلات جيوسياسية جديدة. وفي عالم يتزايد فيه الصراع على مقدرات الطاقة العالمية وتتسابق فيه الدول الكبرى لتأمين احتياجاتها الاستراتيجية، تبرز موريتانيا بوصفها دولة تمتلك مقومات متنامية تجعلها أكثر حضورا في دوائر الاهتمام الإقليمي والدولي.

وقد تميزت يومها المحاضرة بالقدرة على الربط بين المتغيرات الدولية والواقع الوطني، حيث نبهت إلى أن الثروات الطبيعية لا تمثل مجرد فرصة اقتصادية، بل تفرض في الوقت نفسه تحديات سياسية واستراتيجية تتطلب وعيا عميقا بطبيعة المرحلة. ومن هذا المنطلق، شدد المحاضر على ضرورة امتلاك رؤية وطنية قادرة على استثمار الفرص التي تتيحها التحولات الجارية، مع تجنب مخاطر التحول إلى ساحة لتجاذبات القوى المتنافسة.

وفي هذا الإطار، يبرز ما أظهرته الدولة الموريتانية بقيادة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني من قدرة على قراءة مجريات السياسة الدولية واستيعاب التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم. فقد اتسم النهج الذي اعتمدته موريتانيا خلال السنوات الأخيرة بالتوازن والواقعية، من خلال بناء علاقات متينة ومتوازنة مع مختلف الشركاء الدوليين والإقليميين، والحفاظ على سياسة خارجية قائمة على الحوار والانفتاح وعدم الانخراط في الاستقطابات الحادة التي تشهدها الساحتان الاقليمية والدولية.

كما يعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا لحقيقة أن التنمية والاستقرار في عالم اليوم يرتبطان بقدرة الدول على إدارة مصالحها الوطنية ضمن بيئة دولية معقدة ومتشابكة. ومن ثم، تسعى موريتانيا إلى الاستفادة من ثرواتها المتنوعة، من الغاز والمعادن والثروة البحرية ومن موقعها الجغرافي، وفق مقاربة متوازنة تهدف إلى تحويل هذه المقدرات إلى رافعة للتنمية الاقتصادية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي وترسيخ السيادة الوطنية.

كما أبرز الدكتور بدي ولد أبنو أهمية ما سماه تجاوز 'الأزمة الذهنية'، في إشارة إلى الحاجة إلى تطوير أدوات التفكير السياسي والاستراتيجي والتحرر من المقاربات التي لم تعد قادرة على تفسير واقع دولي سريع التغير. فالتحديات التي تواجه الدول اليوم لا ترتبط فقط بالموارد التي تمتلكها، بل بقدرتها على فهم السياقات الدولية وإدارة مصالحها بفعالية واستقلالية، الأمر الذي يتطلب أيضا نخبا فكرية وسياسية واقتصادية تمتلك القدرة على استيعاب التحولات العالمية واستشراف تداعياتها المستقبلية. فالعالم يشهد اليوم إعادة رسم لموازين القوة والنفوذ، والدول التي تنجح في هذا السياق هي تلك التي تتمكن من تحويل مواردها الطبيعية وموقعها الجغرافي إلى أدوات لتعزيز التنمية والسيادة والاستقرار.