الحذاء بين رمزية "الإيثار" و"المكر" في قصتي "فردة حذاء غاندي" و"خفي حنين"/الولي سيدي هيبه

ثلاثاء, 23/06/2026 - 12:21

القصة القصيرة عمل أدبي سردي مكثف يقوم على الاختصار والتركيز، ويعالج عادة حدثا واحدا أو موقفا محددا، بهدف إيصال فكرة أو قيمة إنسانية أو إحساس معين. وتمتاز بوحدة الحدث وبساطة البناء، مع اعتمادها على التكثيف اللغوي والاقتصاد في السرد، بحيث يوظف كل عنصر فيها بدقة لخدمة المعنى العام.

 

غاندي وفردة الحذاء

يحكى أن المهاتما غاندي كان يركض بسرعة ليلحق بالقطار، والذي كان قد بدأ بالتحرك، ولكن إحدى فردتي حذائه سقطت أثناء صعودِه على متن القطار، فخلع فردة حذائه الثّانية، ورماها قريباً من الفردة الأولى، فاستغرب أصدقاؤه وسألوه:

ـ لماذا رميت فردة حذائك الأخرى؟

 فقال غاندي:

ـ أردت للفقير الذي يجد الحذاء أن يجد الفردتين كي يكون قادرا على استخدامهما، فهو لن يستفيد إن وجد فردة واحدة، كما أنني لن أستفيد منها أيضا!

 

عاد بخفي حنين

كان حُنين إسكافيًا من أهل الحيرة، اشتهر بصناعة الأحذية. وذات يوم جاءه أعرابي يرغب في شراء خفين، لكنه أخذ يساومه على الثمن مساومة شديدة طمعًا في الحصول عليهما بسعر زهيد. طال الجدل بينهما حتى يئس حنين من إتمام البيع، فانصرف الأعرابي دون أن يشتري الخفين.

أثار تصرف الأعرابي غضب حنين، فقرر أن ينتقم منه بحيلة ذكية. سبق الأعرابي في الطريق، ووضع أحد الخفين في مكان يمر به، ثم سار مسافة قصيرة وألقى الخف الآخر، واختبأ مترقبًا ما سيحدث. وما إن وصل الأعرابي إلى الخف الأول حتى قال:

ـ ما أشبه هذا بخف حنين!

 لكنه واصل سيره دون أن يلتقطه. وبعد قليل عثر على الخف الثاني، فندم على ترك الأول، وظن أنه يستطيع الحصول على الزوج كاملًا، فنزل عن ناقته وأخذ الخف الثاني، ثم عاد أدراجه ليأتي بالأول.

عندئذ خرج حنين من مخبئه، واستولى على الناقة وما عليها من متاع، ثم فر هاربا. وعندما عاد الأعرابي إلى قومه سألوه:

ـ بمَ عدت من سفرك؟

فأجاب بحسرة:

ـ عدت بخفي حنين.

ومنذ ذلك الحين صار هذا القول مثلا عربيا يضرب لمن يعود من سعيه خائبا خاسرا، بعد أن أخفق في تحقيق ما كان يرجوه.

 

مقاربة نقدية مقارنة

على الرغم من أن الحذاء يبدو في القصتين عنصرا عابرا في مسار الأحداث، فإنه يتحول إلى رمز دال يكشف عن أعماق النفس الإنسانية وتباين القيم والمواقف التي توجه سلوك الإنسان. وقد أتاحت قصتا "غاندي وفردة الحذاء" و"رجع بخفي حنين" تحقيق مقاربة نقدية مقارنة أبرزت اختلاف الرؤى التي يحملها كل نص. ففي حين ارتقى الحذاء في قصة "حذاء غاندي" إلى رمز للعطاء والإيثار والتضامن الإنساني، تحول في قصة "خفي حنين" إلى أداة للمكر والانتقام.

ففي القصة الأولى، يفقد غاندي إحدى فردتي حذائه أثناء صعوده إلى القطار، فيسارع إلى إلقاء الفردة الثانية بجوارها حتى يتمكن من يعثر عليهما من الاستفادة منهما معا. ويكشف هذا التصرف البسيط عن شخصية تتسم بالحكمة ونكران الذات؛ إذ لم ينشغل بما فقده، بل وجّه تفكيره إلى المنفعة التي قد تعود على غيره. أما في قصة "خفي حنين"، فيؤدي الحذاء وظيفة مغايرة تماما؛ فحين أخفق الإسكافي في بيع خفيه للأعرابي واستبد به الغضب، لجأ إلى حيلة ماكرة انتهت بفقدان الأعرابي ناقته ومتاعه. وهكذا يتحول الحذاء من وسيلة للخير والنفع إلى أداة للإيقاع بالآخر والانتقام منه.

وتكشف المقارنة بين النصين عن اختلاف واضح في القيم التي يدافع عنها كل منهما حيث أن قصة غاندي تمجد الإيثار والتكافل الإنساني، وتدعو إلى التفكير في مصلحة الآخرين حتى في لحظات الخسارة، بينما تقدم قصة "خفي حنين" حكمة شعبية تقوم على السخرية من الخيبة، وتبرز أثر الدهاء والمكر في تغيير مجرى الأحداث. كما تحمل نهاية القصة الأولى بعدا إنسانيا إيجابيا ينشر قيم الخير والأمل، في حين تنتهي القصة الثانية بخسارة الأعرابي، لتصبح مثالا يضرب لكل من يعود من سعيه خائبا دون أن يحقق غايته.

وهكذا يتبين أن القصتين، على الرغم من اشتراكهما في عنصر الحذاء وبساطة الحدث، تقدمان صورتين متناقضتين للسلوك الإنساني، صورة إنسان يسمو بأخلاقه فيحول خسارته إلى منفعة للآخرين، وصورة إنسان يوظف ذكاءه للإيقاع بمن أساء إليه. ومن ثم فإن الفرق بين النصين لا يكمن في الأحداث فحسب، بل في منظومة القيم التي يجسدها كل منهما، بين قيم الخير والعطاء والتضامن من جهة، وقيم المكر والانتقام من جهة أخرى، وهو ما يمنح كل قصة خصوصيتها الفنية والإنسانية.