
...لا شك أن ملاحظة الوزير بشأن هدر سنوات من الجهد بسبب ظروف يوم واحد تعد ملاحظة ذات أساس علمي دقيق. وبالتالي، فإن أي إصلاح جاد ينبغي أن يهدف إلى تقليل هذا الانحياز عبر إدماج محطات تقييم متعددة على طول المسار الدراسي للتلميذ...
إن مقترح وزير الداخلية وترقية اللامركزية والتنمية المحلية، السيد محمد أحمد ولد محمد الأمين، الرامي إلى إصلاح نظام البكالوريا في موريتانيا، لا يمكن اختزاله في مجرد تعليق ظرفي، بل يعكس نضجا في التفكير الإصلاحي وإدراكا استراتيجيا لحدود النموذج التقويمي الموروث، كما ينسجم مع اتجاهات دولية لإعادة بناء آليات اعتماد المكتسبات المدرسية. وهذه المبادرة، رغم وجاهتها، تحتاج إلى تعزيزها بمقاربة نسقية تجمع بين معطيات البحث التربوي والخبرات المقارنة وخصوصيات السياق الموريتاني.
تجمع الأدبيات التربوية المقارنة على أن الأنظمة التي تعتمد على امتحان نهائي واحد عالي المخاطر تنتج تشوهات كبيرة، سواء على مستوى جودة التعلم أو على مستوى العدالة الاجتماعية. فبحسب تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) حول تقييم التعلم، يوصى بتنويع أدوات القياس والانتقال نحو تقييم مستمر ومعياري، في حين تؤكد منظمة اليونسكو أن التعلم لا يمكن اختزاله في لحظة "امتحانية" واحدة، بل ينبغي اعتماده ضمن آليات متعددة الأبعاد تراعي الكفاءات العروض والمشاريع البحثية.
وقد نجحت بعض الأنظمة التعليمية المتقدمة، مثل النموذج الفنلندي وبعض دول شمال أوروبا، في تقليص مركزية الامتحان النهائي لصالح التقييم التكويني وملفات الإنجاز والاختبارات المرحلية المدمجة ضمن المسار الدراسي، دون إلغاء الامتحان، بل بإعادة توازنه ليكون تتويجا للمسار لا مقامرة بنتيجته.
وعلى المستوى التربوي، تظهر نظريات القياس في التربية، وخاصة نظرية التعميم عند كرونباخ، أن الامتحانات ذات الرهانات المرتفعة تكون عرضة لتأثير عوامل غير أكاديمية، مثل الضغط النفسي الحاد، والحالة الصحية المؤقتة، وظروف إجراء الامتحان أو البيئة النفسية والاجتماعية للتلميذ. وينتج عن هذه العوامل ما يعرف بخطأ القياس الظرفي، حيث لا تعكس النتيجة النهائية المستوى الحقيقي لإتقان الكفاءات.
ومن هذا المنطلق، فإن ملاحظة الوزير بأن سنوات من الجهد قد تهدر بسبب ظروف يوم واحد تعد ملاحظة ذات أساس علمي دقيق. وبالتالي، فإن أي إصلاح جاد ينبغي أن يهدف إلى تقليل هذا الانحياز عبر إدماج محطات تقييم متعددة على طول المسار الدراسي.
وفي سياق البلد، يواجه النظام التعليمي تحديات بنيوية مثل تباين المؤسسات التعليمية، والفوارق الجهوية، واختلاف نسب التأطير التربوي، وهي عوامل تفاقمها مركزية الامتحان الواحد. فالتلميذ في ثانوية مجهزة بنواكشوط يقاس بنفس المعايير التي يُقاس بها تلميذ في منطقة ريفية نائية، دون مراعاة الفوارق السياقية في ظروف التعلم.
إن إدماج تقييمات مرحلية خلال الدورة الدراسية، ضمن معايير موحدة على المستوى الأكاديمي، من شأنه تقليص أثر هذه الفوارق. وبدلا من نموذج موحد صارم، يمكن أن تتحول البكالوريا إلى منظومة كفاءات مركبة، تكون فيها النتيجة النهائية محصلة متوازنة لعدة مكونات، تشمل مراقبة مستمرة قائمة على تقييمات معيارية حسب كل مادة، ومشروع شخصي أو بحث يعزز الاستقلالية والبحث العلمي، إضافة إلى اختبارات نهائية مُخففة ومركزة على الكفاءات الأساسية.
ولكيلا تبقى هذه الرؤية مجرد طموح نظري، من الضروري وضع خارطة طريق عملية. ويمكن البدء بمرحلة تجريبية لمدة سنتين في بعض الأكاديميات، مع تكوين الأساتذة في مجال التقييم التكويني والمعياري وبالتوازي، ينبغي إنشاء بنوك وطنية للاختبارات حسب كل مادة لضمان تكافؤ الفرص بين المؤسسات، مع ترك هامش للتكييف المحلي.
كما يعد تكوين المفتشين والأساتذة على تصميم اختبارات تقيس الكفاءات المركبة، مثل التحليل، والتركيب وحل المشكلات، بدلا من الاقتصار على الاستظهار، رافعة أساسية لإنجاح الإصلاح. وفي المقابل، فإن التواصل الشفاف مع الأسر والتلاميذ حول معايير النظام الجديد سيساهم في تخفيف الضغط النفسي المرتبط بالامتحان النهائي، ويعزز مسؤولية المتعلمين طوال السنة الدراسية.
وبذلك، فإن مبادرة الوزير تفتح نافذة واعدة لتجاوز الجمود الذي يطبع النظام التربوي. وإذا ما استندت إلى المرجعيات الدولية، والتطورات التربوية، والتكييف مع السياق الوطني، فإن هذه الإصلاحات يمكن أن تحول البكالوريا إلى أداة حقيقية لتعزيز الجودة والإنصاف. وهي بذلك لا تضعف الصرامة الأكاديمية، بل تعززها عبر بناء تقييم أكثر عدلا وشمولية لمسار التلميذ، بحيث يتحول الامتحان النهائي من لحظة مصيرية قد يشوبها الحظ إلى مرحلة منظمة ضمن مسار تكويني متكامل، يجمع بين متطلبات الجودة والعدالة، ويجعل من المسار التعليمي استمرارية مقدرة بدل أن يكون نتيجة معلقة على صدفة يوم واحد.

