
في زمن تتسابق فيه الأمم على تشييد منصات الإبداع وتوسيع دوائر الحوار الثقافي، تعيش ثقافتنا واقعا استثنائيا يبعث على الاستغراب. فلا مقاه أدبية تصلح منتديات للكتاب والشعراء، يتبادلون فيها الرؤى والتجارب في ظل نقد بناء ومواكبة فكرية، ولا مسارح تحتضن العروض الجادة وتمنح المبدعين جسورا للتواصل مع جمهورهم، ولا دور عرض سينمائية تواكب المستجدات الفنية وتفتح نوافذها على تجارب إنسانية متعددة المشارب والرؤى والفلسفات.
كذلك، تخلو حياتنا الثقافية من تلك المهرجانات العفوية والدورية، التي تضفي على الحراك الفكري حيوية دائمة واستمرارية غير مقيدة بسلاسل الرسميات، وتفتقر إلى معارض دائمة أو موسمية أو متنقلة، تعرض في الفضاءات المغلقة والمفتوحة إبداعات الجيل الجديد من الكتاب والفنانين، وتتيح لهم التعبير عن تجاربهم بلغة العصر وأدواته المتجددة.
أما المفارقة الأعمق، والأكثر إثارة للاستغراب، والأشد نكاية بسمعة بلد مضمخ بألقاب الفرادة (المليون شاعر) وصفات التزكية (الملثمين من الحياء) والفتوحات (المرابطون)، فهي أن مجتمعنا يزخر بالمواهب الخلاقة والطاقات الواعدة في ميادين الأدب والفنون والفكر النقدي. غير أن هذه الطاقات تترك غالبا في عزلة، أو تضطر إلى البحث عن فضاءات بديلة خارج سياقها الطبيعي، بسبب غياب بنية ثقافية راسخة قادرة على احتضانها ورعايتها ومواكبة تطورها.
إن الثقافة، التي ليست ترفا ولا مجرد إضافة روحية، بل تعد أحد المرتكزات الأساسية للتنمية البشرية، حيث أنها تسهم في تشكيل الوعي، وتغذية الفكر النقدي، وتعزيز أواصر التماسك الاجتماعي، وتشاركفي بناء مواطنة مستنيرة. وعندما تتقلص فضاءات الإبداع والحوار، تضيق آفاق التجديد، وتضعف جسور التواصل بين الأجيال، ويحرم المجتمع نفسه من أحد أقوى المحركات الكفيلة بدفع مسيرته نحو التقدم والازدهار.
لذلك، فإن المطلوب اليوم هو الوقوف امام تراجع الإنتاج الفكري والتقليل من الاعتماد الكلي على استهلاك المعرفة بدل إنتاجها ومحاربة ضعف المساهمة في الإبداع الأدبي والعلمي والتصدي للجمود الفكري والانغلاق على الذوات المتخلفة المستعلية ورفض التجديد والتعصب المذهبي والفكري، ثم تكثيف الجهود لإقامة بيئة ثقافية متكاملة، تجعل من الكتابة والشعر والفنون جزء من النسيج اليومي للحياة العامة حتى يعاد للثقافة مكانتها بوصفها استثمارا في الإنسان أولا، وفي مستقبل المجتمع ثانيا لأن الأمم لا تنهض بالاقتصاد وحده، بل تسموا كذلك بما تنتجه من فكر خلاق وجمال وإبداع.

