وجه الاستعمار.. إنكار واحد وتعامل مزدوج/الولي سيدي هيبه

سبت, 11/04/2026 - 16:00

استلهمت هذه السطور من مداخلة رينيه فوتييه، السينمائي والناشط المناهض للاستعمار، حول التقييم الخاطئ الذي قام به المستعمرون الفرنسيون للمجتمع الجزائري إبان الاحتلال. وتهدف المقارنة بين الجزائر وموريتانيا إلى بيان أن سوء الفهم الاستعماري لم يكن ناتجا عن جهل بقدر ما كان نتاجا لاستراتيجية إنكار أو توظيف، بل مزيجا من الاثنين معا.

في الجزائر، اصطدم الغزو الفرنسي الذي بدأ عام 1830 بمجتمع متماسك، وريث تراكمات تاريخية عميقة: مدن عتيقة، تقاليد قانونية، شبكات تجارية، ومؤسسات دينية راسخة. لم يكن هذا النسيج الاجتماعي على تنوعه بدائيا كما صورته المخيلة الاستعمارية. أحدثت هذه المواجهة لدى المستعمر صدمة معرفية ومصلحية معا، فتصنيفاته الملوثة بالصور النمطية عجزت عن قراءة واقع لا يمكن تجاهله. وإذ تعذر تجاهله، اضطر إلى إعادة تعريفه، فظهرت حركة مزدوجة: اعتراف ضمني بوجود حضارة عريقة، مع محوها أو تشويهها عبر خطاب الانحطاط الذي يستوجب النهضة، كذريعة وحيدة لتبرير السيطرة. وهكذا بنت المهمة الحضارية نفسها في توتر مع واقع يدحضها.

على النقيض، في موريتانيا، واجهت الاختراقات الاستعمارية الأحدث والأقل مباشرة مجتمعا تخرج أشكال تنظيمه عن النماذج الكلاسيكية للدولة الإقليمية. كان النسيج الاجتماعي هناك رحالا بامتياز، منظما وفق هرَميات قبلية ومدونات شرف، واقتصاد تكيفي مع بيئة صحراوية قاسية. للوهلة الأولى، بدا هذا المجتمع أمام إدارة استعمارية نشأت على النماذج المستقرة خاليا من علامات المدنية الحضرية. لكن هذا الانطباع أخفى واقعا زاخرا بحياة فكرية عظيمة. فموريتانيا كانت وما زالت فضاء للعلم الإسلامي الراقي، حيث تقوم نظم نقل المعرفة على شبكات من العلماء والمشايخ والطلبة تجوب الصحراء. وتشهد مدن شنقيط ووادان وتيشيت وولاتة على تراث علمي ضارب في العمق، قائم على الفقه المالكي والشعر واللغويات. هذا التناقض الظاهري بين الفقر المادي والغنى الفكري أربك المستعمر الفرنسي المعتاد على ربط الحضارة بالمدينة والحجر والكتابة المستقرة. ففي موريتانيا، لم يتجسد العلم في آثار، بل في مكتبات رملية، ومخطوطات تحمَل على ظهور العيس:

ونحن ركب من الأشراف منتظم   أجل ذا العصر قدرا دون أدنانا
قد اتخذنا ظهور العيس مـدرسـة   بـهـا نـبـيــن ديــن الله تـبــيـانـا

وسلطة معرفية بلا قصور، وقد ظن هذه السيولة زمنا طويلا دليلا على انعدام تماسك.

هنا برز دور كزافييه كوبولاني، الإداري الفرنسي المولود في الجزائر، الذي لعب دورا حاسما في ترسيخ الوجود الاستعماري بموريتانيا مطلع القرن العشرين. ارتكزت مقاربته التي وصفت أحيانا بالاختراق السلمي على فهم دقيق للبنى الدينية والاجتماعية المحلية، لكن هذا الفهم لم يكن بريئا. لقد لاحظ كوبولاني الطابع العلمي لبعض مكونات المجتمع الموريتاني، لكنه وظف هذه المعرفة لخدمة المشروع الاستعماري: اعترف بعلمية العلماء مع فصلهم عن أي سلطة سياسية، ليحولهم إلى روافد مطيعة للإدارة الاستعمارية.

عليه فلا ينبغي تبسيط الأمر بوصف الجزائر حضارية وموريتانيا منقوصة الحضارة، بل القول إن النظرة الاستعمارية تشوشت في الحالتين أمام أشكال حضارية لا تنطبق على معاييرها. ففي الجزائر، كانت الكثافة المؤسسية والحضرية تدحض خطاب التبرير، وفي موريتانيا، كان انفصال المادي عن الذهني يفشل توقعات المستعمر. في جوهر الأمر، في كلا البلدين، لم يكشف المستعمر عن وجود حضارة أو عدم وجودها، بل واجه مجتمعات أخرى وأنماط عيش مختلفة، حاول أحيانا إنكارها وأحيانا إعادة تشكيلها لمصلحته. يبقى الفرق أن الجزائر استلزمت إزاحة الاختلاف الظاهري جذريا، بينما استطاع المستعمر في موريتانيا استغلال هذا الاختلاف، ولم يعالج العائق بالطريقة نفسها، لكنه قدم في كل الأحوال كإزعاج ينبغي فقط تحويله إلى أداة.