
"...تبدو آثار العنصر الأمازيغي جلية في أكثر من المسميات الجغرافية، وبعض البنى الاجتماعية، وعدد من المفردات والتعابير التي أثرت في الحسانية نفسها، ومع ذلك ظل الاعتراف بهذا الامتداد يتم أحيانا بتحفظ، وكأن الإقرار به ينتقص من البعد العربي..."
في موريتانيا، لا تبدو مسألة العروبة مجرد انتماء ثقافي محسوم، بل تحولت عبر التاريخ الحديث إلى سؤال هوية وتموضع سياسي ورمزي. ولهذا فإن ما يبدو أحيانا لهاثا وراء العروبة، رغم تجليها الواضح في اللسان الحساني والبداوة والتراث الاجتماعي، يعكس في الحقيقة حالة قلق في العمق هوياتي أكثر مما يعكس بحثا عن انتماء غائب.
لا أحد يشكك في أن العروبة الموريتانية حاضرة في اللغة والعادات والامتداد الثقافي نحو المجال العربي الإسلامي، غير أن وضوح هذه المظاهر لم يمنع استمرار الحاجة إلى تأكيدها، وذلك بسبب موقع موريتانيا التاريخي عند تخوم الفضاءين العربي المغاربي والإفريقي السحلي، وما رافق ذلك من تجاذبات سياسية وثقافية منذ الاستقلال. وقد تعامل جزء من النخب مع العروبة بوصفها مشروعا حضاريا وخيارا سياديا في مواجهة الإرث الاستعماري، لا مجرد توصيف إثني أو لغوي، مما جعل الدفاع عنها يأخذ أحيانا طابعا انفعاليا أو مبالغا فيه.
غير أن التذبذب "الهوياتي" القلق في موريتانيا لا يتوقف عند العلاقة بالعروبة والانتماء الإفريقي، بل يمتد أيضا إلى الموقف من البعد الأمازيغي (البربري)، حضورا وإنكارا. فثمة مفارقة لافتة تتمثل في أن آثار العنصر الأمازيغي تبدو جلية في أكثر من المسميات الجغرافية، وبعض البنى الاجتماعية، وعدد من المفردات والتعابير التي أثرت في الحسانية نفسها، ومع ذلك ظل الاعتراف بهذا الامتداد يتم أحيانا بتحفظ، وكأن الإقرار به ينتقص من البعد العربي.
والحال أن تاريخ المجال الصحراوي يكشف أن التفاعل بين العرب والأمازيغ كان عميقا وممتدا عبر قرون، وأن الحسانية ذاتها ليست نتاجا معزولا، بل ثمرة تراكم ثقافي ولغوي تشكل داخل فضاء اختلطت فيه المؤثرات العربية والأمازيغية والإفريقية. ولذلك فإن تصوير الهوية الموريتانية باعتبارها نقاء عرقيا أو ثقافيا خالصا لا ينسجم مع حقائق التاريخ ولا مع طبيعة المجتمعات الصحراوية التي قامت أساسا على الامتزاج والتلاقح.
ويبدو أن جزء من الحساسية تجاه الاعتراف بالمكون الأمازيغي يعود إلى الخلط بين الهوية الثقافية والانتماء السياسي حيث أن البعض يخشى أن يؤدي إبراز الجذور الأمازيغية إلى إضعاف العروبة، بينما يذهب آخرون إلى توظيف هذا البعد لمعارضة الانتماء العربي ذاته، وكأن الأمر صراع إقصائي بين هويتين متناقضتين، مع أن الواقع التاريخي والاجتماعي يؤكد تداخلهما العميق.
ومن هنا فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في تعدد الروافد، بل في العجز عن تحويل هذا التنوع إلى مشروع وطني جامع علما أن موريتانيا ليست مطالبة بإثبات عروبتها ولا بإنكار عمقها الأمازيغي والإفريقي، بل ببناء وعي وطني متوازن يعترف بكل روافده دون عقدة نقص أو هاجس إقصاء، فـ"الهويات الواثقة" لا تخشى الاعتراف بتعقيد جذورها، كما أن الأمم الناضجة لا تقيس وحدتها بمدى إنكار ماضيها، بل بقدرتها على صهر تنوعها داخل دولة عادلة ومجتمع متماسك.

