حتمية الأفول وصدمة الهشاشة/الولي سيدي هيبه

سبت, 23/05/2026 - 11:49

بدأت، وأنا في رحاب العقد السادس، أرى خيوط الحياة على حقيقتها الهشة، بعد أن كنت أحسبها أصلب مما هي عليه. أشياء كثيرة كانت تبدو لي منيعة كالحصون، فإذا بها تتداعى أمام العين كأنها من ورق. وجوه ملأت الدنيا صخبا وهيبة، امتلكت المال حين عز على غيرها، واعتلت أرفع المناصب حتى خيل للناس أن سلطانها لا يزول، وأن أصحابها فوق نوائب الزمن. كانوا يزدرون أضعف أهليهم، يرعبون أشخاصا، ويغدقون على آخرين، فتخرس الألسنة إكبارا لهم، ويتدافع الطامعون حولهم بالشعر والغناء والمديح والاطراء، كأنهم يحيطون بشيء خالد لا يعتريه النقص.

لكن العمر، حين ينضج بالإنسان، يريه ما كانت تخفيه زينة الدنيا ولم يستحضر وقتها قول الله تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ). لقد رأيت بعض أولئك يضمحلون تحت وطأة المرض، تتكسر فيهم أوهام القوة، وتغور أعينهم المرتجفة أمام ذلك المجهول المسمى الفناء. إنهم من كانوا يملكون القرار، فصاروا ينتظرون نتيجة فحص، أو جرعة دواء، أو كلمة مطمئنة من طبيب أو عملية تنجح لحين. ومن كانت الهواتف لا تهدأ بذكر أسمائهم وطلب سماع أصواتهم، صار الصمت يحيط بهم فيغالبه أنين خافت أو دعاء مرتبك في جوف أو آخر الليل.

وكم مرت أمامي توابيت عائدة أو بقايا أشخاص أنهكهم المرض وعلاجه من مستشفيات تونس وفرنسا واسبانيا، ومن مصحات السنغال وتركيا والمغرب. رجال ونساء كانت لهم السطوة والكلمة، ظن الناس أن المال يطيل أعمارهم، وأن النفوذ يرد عنهم أقدار الله، فإذا بهم يعودون محمولين في صناديق صامتة لا تفرق بين عظيم ومغمور، مصداقا لقوله تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) أو شخوص عيونهم غائرة وأجسادهم مترهلة لا يدركون ما أصابهم. وكم رأيت، في مراكز الأعصاب وأمراض القلب في نواكشوط، وجوها كانت بالأمس تملأ المجالس مهابة، فإذا بها اليوم منكسرة خائفة، لا ينفعها جاه ولا مال، ولا تحرسها الحاشية التي طالما ازدحمت على أبوابها وغصت بها مجالسها الغافلة.

هناك، عند أبواب الألم، يسقط القناع الكبير فلا يبقى سوى الإنسان في ضعفه العاري، خوف، وانكسار، وتسليم قسري لحقيقة طالما أنكرها على نفسه وأطال فرار الغفلة منها. يدرك المرء متأخرا أن الجسد الذي تفاخر بقوته هش، وأن القلب الذي امتلأ كبرا يمكن أن تربكه جلطة صغيرة، وأن الحياة كلها قد تتوقف فجأة أمام عطب خفي في عصب أو شريان لتتجلى أمام عينيه آية الله (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).

هؤلاء، لست أشجع منهم، ولا أكثر استعدادا للمصير. غير أن أحوالهم نبهتني إلى حقيقة أن الإنسان مهما علا، يحمل فناءه معه منذ لحظة ولادته، وأن الدنيا، التي نتصارع على ظلها القصر، لا تمنح أحدا صكا بالبقاء، وإن الجاه لظل زائل، والمال وديعة مرتجفة، والصحة هدنة قصيرة بين ضعفين، وقد قال الله تعالى في محكم التنزيل (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ).

وربما كانت الحكمة التي لا يمنحها العمر إلا للقليلين ممن أوتوا بعض حكمة، أن قيمة الإنسان لا تكمن فيما أخضعه أو استعلى عليه من الناس، بل فيما خفف عنهم من أذى ووصلهم في الرحم، لا فيما أوتي من نفوذ وجمع من نشب الدنيا، بل فيما يتركه خلفه من أثر كريم وسيرة نظيفة. فالمشهد الأخير من الحياة لا تجدي فيه مظاهر الزهو، ولا تنفع الحاشية والأتباع، ولا يصحب الإنسان إلى خاتمته إلا عمله، وما ادخره لقلبه من صدق ورحمة وتواضع؛ مصداقا لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له»..

وتبفى الحقيقة أنه كلما تقدم بنا العمر، أدركنا أن النهاية العادلة التي تنتظر الجميع هي أعظم درس في مساواة البشر، وأن المرض بعض مدخل إلى النهاية الحتمية التي تسحب من الجميع أوهام القوة والعلو، وتعيدهم إلى حقيقتهم أنهم مجرد بشر عابرين، لا يملكون أمام القدر إلا الخشوع، وحسب القوم أن يسمعوا قول ربهم (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ).