
أعاد السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، خلال مؤتمره الصحفي الأخير بالقصر الجمهوري، التأكيد على أن الفساد الأخلاقي يشكل الحاضنة الحقيقية للفساد الإداري والمالي. وفي معرض حديثه عن الأسباب الظاهرة والخفية للفساد، أوضح أن ضياع الأخلاق يمثل أحد أعتى هذه الأسباب، موجّهًا بذلك الاهتمام نحو البعد القيمي للإصلاح، ومؤسسًا لمقاربة تنطلق من أن معالجة الاختلالات الهيكلية في الإدارة والمالية العامة تظل ناقصة ما لم تعالج جذورها الأخلاقية.
ويبرز من خلال هذا الطرح، بما يتسم به من وضوح وعمق في التحليل، انسجامه التام مع الواقع الملموس الذي يؤكد أن الإدارة، مهما بلغت دقة تشريعاتها وتطورت آليات الرقابة المعتمدة فيها، تظل رهينة بالقيم والمبادئ الأخلاقية التي توجه سلوك القائمين عليها. فحين يضعف الوازع الأخلاقي، تتسع دائرة التجاوزات، وتتراجع معايير النزاهة والشفافية، مما ينعكس سلبًا على جودة الأداء الإداري، وفعالية تدبير المال العام، ويؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.
ومن هذا المنطلق، ينبغي ألا يُنظر إلى الإصلاح الإداري بوصفه مسألة إجرائية أو قانونية فحسب، بل باعتباره مشروعًا مجتمعيًا شاملًا يعيد الاعتبار لقيم الأمانة والمسؤولية والعدل. فالقانون يحدد الواجبات والعقوبات، أما الأخلاق فتحول احترام تلك الواجبات إلى سلوك نابع من القناعة الداخلية، ومن ثم تصبح الفضيلة ممارسة حية لا مجرد التزام مفروض من الخارج.
وما يميز هذه الرؤية أنها تدعو إلى معالجة جذور الفساد، لا الاكتفاء بمكافحة مظاهره، وهو ما يجعل ترسيخ القيم في الأسرة والمدرسة والإدارة، وفي مختلف فضاءات الحياة العامة، ركيزة أساسية في أي مسار إصلاحي يُراد له البقاء والنجاح.
إن بناء إدارة أكثر كفاءة ونزاهة لا يتحقق بتطوير النظم والإجراءات فحسب، بل ببناء ثقافة عامة تجعل المصلحة العامة أسمى الغايات، وتُسقط على المسؤولية معنى الأمانة، وعلى السلطة معنى الواجب. وهذه المعاني مجتمعة هي التي تعزز أسس الحكامة الرشيدة، وترسي دعائم الثقة في مؤسسات الدولة، وتجسد الانتقال من إدارة البيروقراطية إلى إدارة القيمة.

