
إن المتأمل في الزيارات الميدانية التي تقوم بها السيدة الأولى، الدكتورة مريم منت محمد فاضل ولد الداه، إلى مختلف ولايات الوطن، يدرك، لا شك، أنها تتجاوز حدود البروتوكول والمظاهر الرمزية، لتغدو ممارسة مؤسسية ذات مضامين تنموية وإنسانية واجتماعية وثقافية واضحة، تعكس حضورا ميدانيا منتظما يواكب أولويات الدولة ويقرب العمل العمومي من المواطنين، ويمنح المبادرات الاجتماعية بعدا عمليا يتجاوز الإعلان إلى التنفيذ والمتابعة.
فعلى الصعيد التنموي، شكلت هذه الزيارات مناسبة لإطلاق ومتابعة مشاريع تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها مشروع "تمكين المرأة والعائد الديمغرافي"، الذي أشرفت على إطلاق مرحلتيه الثانية والثالثة في كل من كيهيدي بولاية كوركول وألاك بولاية لبراكنه. ويجسد هذا المشروع توجها وطنيا يرمي إلى تعزيز مكانة المرأة اقتصاديا واجتماعيا، من خلال توفير أكثر من 21 ألف منحة دراسية، وتقديم خدمات صحية لما يقارب 48 ألف امرأة، إلى جانب تمويل 330 مشروعا نسويا مدرا للدخل، بما يفتح آفاقا أوسع للتمكين الاقتصادي ويعزز مساهمة النساء في التنمية المحلية، فضلا عن خلق آلاف فرص العمل وتحسين الظروف المعيشية للأسر المستفيدة.
ولم يقتصر الحضور الميداني على الجانب التنموي، بل امتد إلى البعد الإنساني، حيث أولت السيدة الأولى عناية خاصة بالقطاع الصحي، من خلال رعاية بعثة "مبادرة نبضات" التي أتاحت إجراء عمليات قسطرة وقلب مفتوح لنحو مائتي طفل يعانون من تشوهات خلقية، في خطوة تعكس الاهتمام بصحة الطفولة وتوسيع فرص العلاج المتخصص. كما حرصت على مواكبة الحالات الإنسانية الطارئة، من خلال زيارتها لمصابي حادث السير على طريق نواذيبو، فضلا عن تفقدها المتكرر لمركز الأمومة والطفولة ومراكز رعاية الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، بما يؤكد أن البعد الإنساني ظل ركنا أصيلا في تحركاتها الميدانية، وأن العمل الاجتماعي لا يقتصر على البرامج، بل يمتد إلى الحضور المباشر في مواقع الحاجة.
أما على المستوى الثقافي والاجتماعي، فقد حملت هذه الزيارات رسائل ذات دلالات عميقة، تجلت في اختيار مدينة أوجفت، بما تمثله من عمق تاريخي وحضاري، محطة بارزة ضمن جولاتها. فقد جمعت الزيارة بين تشجيع السياحة الداخلية، وإبراز الإرث المرابطي للمدينة، وتعزيز الصلة بالمجتمع المحلي الذي استقبلها بوصفها إحدى بناته، في مشهد يعكس أهمية المحافظة على الذاكرة الوطنية وربط التنمية بالهوية الثقافية. كما برز الاهتمام بالجانب التربوي من خلال إطلاق برامج لدعم التعليم ما قبل المدرسي، والإعداد لمبادرات تستهدف الأطفال ذوي الإعاقة وتعزيز التعاونيات النسوية، بما يرسخ مفهوم التنمية الشاملة القائمة على تكافؤ الفرص وإشراك جميع فئات المجتمع في مسيرة التنمية.
وفي المحصلة، تكشف هذه الزيارات عن مقاربة ميدانية تجعل من مصاحبة المواطن أداة لتفعيل السياسات الاجتماعية والتنموية، وتنسجم مع التوجه العام للدولة في دعم المناطق الداخلية والعناية بالفئات الأكثر احتياجا. كما تعكس أهمية الشراكات مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي وصندوق الأمم المتحدة للسكان، في تمويل برامج تنموية تنفذ وفق الأولويات الوطنية، بما يعزز فاعلية التدخلات ويحافظ في الوقت ذاته على السيادة في رسم السياسات العمومية.
ويكتمل هذا الحضور الميداني بما يحظى به من متابعة واهتمام داخل حزب الإنصاف، الذي يواكب هذه الزيارات ويبرز مضامينها التنموية والاجتماعية باعتبارها تجسيدا عمليا للتوجيهات السامية لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في مجال تمكين المرأة، والعناية بالطفولة، وتقريب الخدمات الأساسية من المواطنين، وتعزيز التنمية المحلية. وتعكس هذه المواكبة إدراكا متزايدا لأهمية العمل الميداني بوصفه أحد أهم أدوات تجسيد السياسات العمومية، وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحويل البرامج الوطنية إلى إنجازات ملموسة يلمس المواطن آثارها في حياته اليومية.
وبذلك، تبدو الزيارات الميدانية للسيدة الأولى أكثر من مجرد أنشطة بروتوكولية أو مناسبات رمزية؛ فهي تمثل نموذجا للعمل الاجتماعي المؤسسي، ورافعة للتنمية المحلية، وتجسيدا لثقافة القرب والإنصات والمبادرة. كما تؤكد أن التنمية لا تقاس بكثرة الخطط والبرامج فحسب، وإنما بقدرتها على الوصول إلى المواطن في مختلف أنحاء الوطن، وتحويل الرؤية السياسية إلى أثر تنموي وإنساني ملموس يعزز التماسك الوطني ويكرس قيم التضامن والعدالة الاجتماعية.

