إشعال المصابيح ولا انتظار النجوم/الولي سيدي هيبه

ثلاثاء, 29/09/2026 - 13:01

... فكم من موهبة انطفأت في "منكبنا القصي" العصي، لأنها لم تجد عينا تلتقط بريقها، ولا حضنا يحتضنها ويقدرها، ولا يدا ترعى بداياتها حتى يشتد عودها ويثمر، وكم من قلم خفت صوته ثم صمت، بعدما اصطدم بجدار التجاهل، وكم من مبدع انكفأ على ذاته، لأن بيئته لم تمنحه سوى التقزيم بدل التقدير، والإقصاء بدل الاحتضان، وبذر الشك في قدرته بدل الإيمان بما يستطيع أن يقدمه ويسهم به في بناء مشهد ثقافي أكثر حيوية واتساعا ...

ما زلت أرقب، من شرفة معتمة، سماء ثقافتنا، لعل مذنبا أو نجمة تلوح في الافق، فتبدد شيئا من هذا الظلام الذي أخذ يتمدد من حولنا، غير أن العتمة لم تعد تحاصر الشرفة وحدها، بل تسللت الى ما نراه، وما نقرأه، وما نكتبه، وحتى الى بعض ما نؤمن به ونروج له، حتى غدا المشهد في كثير من جوانبه مثقلا بما يبعث على القلق والتساؤل.

أرى غيوم الركود تتراكم، والعطاء ينحسر، والارادة تخبو، والنزاهة الفكرية تتراجع، والامانة العلمية تتقهقر، حتى بات الشعور، في كثير من الأحيان، بأن الصمت أبلغ من الكلام، وأن غياب السؤال قد يكون أخطر من غياب الجواب، ذلك بأن السؤال، مهما بدا بسيطا أو مزعجا، يفتح نافذة في الجدار، بينما الصمت الطويل قد يحول الجدران الى قدر لا نفكر في كسره. وفي هذا المشهد المثقل، لا أكاد ارى نجوما كافية تبدد هذا الظلام الدامس أو تصحح مسارا طال انحرافه، وكأن سماءنا الثقافية قد أرهقها الانتظار، وأرهقنا معها البحث عن ضوء يأتي من مكان بعيد.

غير ان انتظار النجوم من شرفة معتمة قد يكون، في حد ذاته، جزء من المشكلة، فالثقافة لا تنتشل بالانتظار، ولا ترفع بالتمني، ولا تحتاج بالضرورة الى نجم واحد يلمع في سمائها ويستأثر بكل الضوء، وإنما تحتاج الى مصابيح صغيرة يضيء بها كل فرد من أفراد مجرتنا الثقافية مساحته الممكنة، والى عقول ترفض الاستسلام للركود والتنويم في حاضنة احتكار "الاقطاع الثقافي"، وأصوات تمارس النقد بصدق ومسؤولية، وأقلام تتحرى الأمانة، وتعليم يوقظ العقل بدل أن يكتفي بملء الذاكرة، ومؤسسات تؤمن بالإبداع وتحميه، ومجتمع يرفض أن يجعل من الركود قدرا محتوما أو من التراجع أمرا لا سبيل الى تغييره.

لكن علينا، قبل أن نحمل مصابيحنا، أن ننبذ الحسد والغل والتقزيم، تلك الآفات التي تنخر في جسد العلاقات الانسانية والثقافية، وتطفئ في النفوس ما كان يمكن أن يكون شعلة إبداع، وأن نفتح صدورنا لنوافذ الإبداع الرابضة في أعماق كل نفس مرهفة الحس، التي قد لا تنتظر أكثر من إعتراف صادق بموهبتها، أو كلمة تشجيع تمنحها الثقة، أو يد تمتد إليها لتقول لها إن مكانك هنا، حيث يمكن لما فيك ان يزهر، وحيث يمكن لصوتك أن يجد من يصغي إليه.

فكم من موهبة انطفأت لأنها لم تجد من يراها أو يرعاها، وكم من قلم صمت لأنه اصطدم بجدار التجاهل، وكم من مبدع انكفأ على ذاته لان بيئته لم تمنحه سوى التقزيم بدل التقدير، والاقصاء بدل الاحتضان، والشك في قدرته بدل الايمان بما يستطيع ان يقدمه. ولعل اشعال نور الثقافة يبدأ ايضا من الاعتراف بالآخر، ومن الفرح بنجاحه، ومن اتاحة المجال له كي يضيف الى المشهد، بدل ان ننشغل بإقصائه او التقليل من شأنه، وكأن مساحة الضوء لا تتسع الا إذا اطفئت انوار الآخرين.

وحين نتعلم ان نرى في نجاح الآخر إضافة إلينا لا انتقاصا منا، وأن ندرك أن ازدهار موهبة جديدة لا يسلبنا مكاننا، بل يوسع المشهد ويمنحه مزيدا من الثراء، وحين نفتح النوافذ بدل أن نسدل الستائر، ونمد أيدينا الى المواهب بدل ان نضع أمامها الحواجز، يصبح لكل مصباح صغير مكانه في هذا المشهد، وتتحول الرغبة الفردية في العطاء الى طاقة جماعية قادرة على إحداث الفرق.

وحين تتجاور بؤر الاشعاع الداخلي، وتتعدد السواعد، وتتلاقى المواهب، وتتسع مساحات الحوار والنقد والتعاون، يمكن للأضواء المتناثرة أن تتآلف، وللمصابيح الصغيرة أن تتكامل، حتى يتحول الضوء المتفرق الى نور واسع يبدد عتمة الطريق، لا لأنه جاء من مصدر واحد، وانما لأنه نشأ من اجتماع أضواء كثيرة، كان لكل واحد منها قدرته الخاصة على إنارة جانب من العتمة.

فربما لا تكون مشكلتنا الحقيقية في غياب النجوم بقدر ما هي في انتظارها، وربما لا يكون ما نحتاجه اليوم نجما واحدا يضيء سماءنا الثقافية ويغطي وحده مساحة المشهد، وانما ان يحمل كل منا مصباحه، وان يضيء الجزء الذي يستطيع اضاءته، وان يدرك ان مساهمته، مهما بدت صغيرة، يمكن أن تكون بداية لضوء أكبر إذا التقت بجهود الآخرين.

فالثقافة لا يضيئها فرد واحد، ولا تنهض بها مجموعة معزولة، وإنما يصنع نورها تراكم الجهود الصادقة، وتآلف العقول السخية، وشجاعة النقد المقوم، وحرية الابداع، ونزاهة الكلمة، والامانة في نقل المعرفة، والايمان بان في كل نفس مرهفة بذرة تستحق ان ترى، وان ترعى، وان تمنح ما تحتاج اليه من ثقة ومساحة وحرية، حتى تنمو وتثمر، ثم تمنح من ثمارها للآخرين.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله في مواجهة هذا الظلام ليس أن نواصل البحث عن قبس بعيد، وإنما أن نلتفت الى المصباح الذي نحمله، نحافظ على نوره، ونساعد غيرنا على إبقاء مصابيحهم مضيئة، فحين يفعل كل منا ذلك، لن نبقى مجرد واقفين على شرفة معتمة ننتظر الضوء، بل سنصبح، من حيث لا نشعر، جزء من الضوء الذي نتوق إلى ضيائه.