الشعر الموريتاني ورهانات التجديد/الولي سيدي هيبه

اثنين, 29/06/2026 - 13:52

ظل الشعر، عبر العصور، من أرقى الفنون الأدبية وأكثرها قدرة على التعبير عن وجدان الإنسان وقضايا مجتمعه. وقد شهد في العصر الحديث تحولات عميقة مست بنيته ووظائفه وأساليبه، ولم يكن الشعر الموريتاني بمنأى عن هذه التحولات، إذ وجد نفسه بين المحافظة على إرثه الشعري العريق والانفتاح على مفاهيم الحداثة وتجاربها. ومن هذا المنطلق، يحاول هذا المقال استنطاق واقع الشعر الموريتاني، واستكشاف مدى قدرته على تجاوز القوالب التقليدية وبناء تجربة شعرية حديثة تنبع من خصوصيته الثقافية، وتحقق توازنا بين الأصالة والتجديد.

لا أحد ينكر أن الشعر لم يعد يؤدي جميع الأدوار التي كان يؤديها في الماضي، وإن لم يفقد أهميته بتغير وظيفته. ففي المجتمعات القديمة كان الوسيلة الرئيسة لحفظ التاريخ والأنساب، ونقل القيم والحكمة، والتأثير السياسي، والإشادة بالبطولات، والهجاء، والفخر، وتوثيق الأحداث. أما اليوم، فقد انتقلت معظم هذه الوظائف إلى وسائل أخرى، كالصحافة، والرواية، والسينما، ووسائل التواصل الاجتماعي، والبحث الأكاديمي. ولذلك لم يعد الشعر "ديوان المجتمع" بالمعنى الذي كان عليه قديما، لكنه احتفظ بأدوار لا يستطيع فن آخر أن يؤديها بالكفاءة نفسها، من أبرزها تكثيف التجربة الإنسانية في لغة موحية وموجزة، والتعبير عن المشاعر والوجود والهوية، وتجديد اللغة والصورة والإيقاع، فضلا عن قدرته الفريدة على إثارة التأمل أكثر من نقل المعلومات.

أما عن حدود بقائه فنا مستقلا بين الفنون، فإن الشعر يحتفظ بخصوصيته ما دام قائما على عناصره الجوهرية، وفي مقدمتها اللغة المكثفة، والإيحاء، والصورة الشعرية، والخيال، والإيقاع؛ سواء أكان هذا الإيقاع قائما على الوزن والقافية، أم على الإيقاع الداخلي كما في شعر التفعيلة وقصيدة النثر، إضافة إلى الوحدة الفنية والتماسك الداخلي والقدرة على إنتاج أثر جمالي يتجاوز المعنى المباشر. فإذا فقد النص هذه الخصائص، اقترب من أجناس أخرى، كالنثر الأدبي أو الخاطرة أو المقالة، حتى وإن أطلق عليه صاحبه اسم الشعر.

ومن هنا ظل سؤال ماهية الشعر وحدوده حاضرا في النقد الحديث، ولا سيما مع ظهور قصيدة النثر، حيث يدور النقاش حول الحد الأدنى من السمات التي تجعل النص شعرا لا مجرد نثر جميل. ويمكن القول إن الشعر لم يعد يحتكر الوظائف الاجتماعية التي اضطلع بها عبر التاريخ، لكنه لم يفقد مبرر وجوده؛ إذ أصبحت قيمته الأساسية تكمن في قدرته على خلق تجربة جمالية ولغوية وإنسانية لا تختزل في الإخبار أو السرد أو الإقناع، وهو ما يمنحه مكانته المميزة بين الفنون، رغم تغير أدواره التاريخية.

ويتميز المشهد الشعري في موريتانيا بخصوصية واضحة، إذ تمتلك البلاد تقليدا راسخا في خدمة اللغة العربية وعلومها، مما جعل القصيدة العمودية تحتفظ بحضورها القوي ومكانتها الاجتماعية والثقافية، بخلاف ما حدث في بعض البيئات العربية. وقد أكسب هذا الواقع الشعر الموريتاني متانة لغوية وثراء تعبيريا، لكنه أسهم، في الوقت نفسه، في إبطاء وتيرة التجديد مقارنة ببعض التجارب العربية الأخرى.

ومع ذلك، شهدت العقود الأخيرة بروز اتجاهات حداثية تجلت في كتابة شعر التفعيلة وقصيدة النثر إلى جانب القصيدة العمودية، والانفتاح على موضوعات جديدة، مثل الهوية، والمدينة، والهجرة، والحرية، والتحولات الاجتماعية، فضلا عن الإفادة من الرمز والصورة الشعرية الحديثة والابتعاد، في بعض التجارب، عن المباشرة والخطابية.

غير أن عوامل عدة ما تزال تعزز حضور القالب التقليدي، من أبرزها المكانة الرفيعة التي يحظى بها الشعر العمودي في الثقافة الموريتانية، والاهتمام الكبير بالفصاحة والالتزام بأوزان الخليل، وتأثير البيئة العلمية و"المحاظر" التي كرست الذائقة الكلاسيكية ورسخت معاييرها الفنية.

ومن ثم، يصعب القول إن الشعر الموريتاني قد تحرر بالكامل من القوالب التقليدية، كما يصعب الزعم بأنه ما يزال أسيرها تماما. فالمشهد الشعري يجمع بين تيار محافظ يرى في القصيدة العمودية ذروة الإبداع، وتيار مجدد يسعى إلى الإفادة من منجزات الحداثة دون القطيعة مع التراث.

ومن زاوية نقدية، قد لا يكون التحدي الأكبر أمام الشعر الموريتاني اليوم مجرد تغيير الشكل أو كسر البنية التقليدية، بل إنتاج حداثة شعرية تنبع من التجربة الموريتانية نفسها، فلا تكون تقليدا للنماذج العربية الأخرى، ولا اجترارا للتراث، وإنما حوارا خلاقا بين الأصالة والتجديد، يستلهم الماضي دون أن يستنسخه، وينفتح على الحاضر دون أن يذوب فيه. وذلك هو المعيار الحقيقي الذي تقاس به قيمة أي حركة شعرية حديثة، ومدى قدرتها على الإسهام في إثراء الشعر العربي وتجديد آفاقه.