
...ليس الشعر الحساني مجرد لون من ألوان الأدب الشعبي، بل هو سجل حي لذاكرة العربية في بلاد شنقيط، وامتداد نابض لتقاليدها الشعرية العريقة. ففي مفرداته وصوره وإيقاعه وأساليبه تتردد أصداء الشعر العربي القديم، بما يجعل دراسته في ضوء التراث الفصيح مدخلا مهما لفهم استمرارية العربية، والكشف عن الروابط العميقة التي تصل اللهجة الحسانية بأصولها اللغوية والأدبية...
لم يكن هذا الموضوع مما قصدت إلى الكتابة فيه، ولا هو من مجال تخصصي، غير أن أحد أخلائي أثاره بسؤال عن العلاقة بين "لَغْن" و"الفصيح" عند مجتمع "البيظان"، فوجدتني مدفوعا إلى أن أجيبه بما تيسر لي من علم، مستندا إلى ما وقفت عليه من معطيات لغوية ومقارنات بين اللهجة الحسانية والعربية الفصحى. وليس القصد من هذه السطور أن تكون دراسة مستوعبة، وإنما هي خواطر لغوية تحاول أن تلفت النظر إلى جانب من الصلة الوثيقة بين الشعر الحساني وأصوله العربية، وتفتح بابا لمزيد من البحث والمقارنة ضمن دائرة التقريب لا الفصل.
يثار أحيانا أن الشعر باللهجة الحسانية يمثل خروجا عن العربية الفصحى، أو أنه لون أدبي مستقل عنها ما برر فصلهما كأدبين مستقلين، غير أن الدراسة اللغوية المقارنة تكشف أن هذا التصور يحتاج إلى مراجعة. فالحسانية ليست لغة منفصلة، وإنما هي "لهجة" عربية احتفظت بكثير من خصائص العربية القديمة، حتى إن عددا من الألفاظ والتراكيب المستعملة في الشعر الحساني ما يزال مثبتا في المعاجم العربية، وشواهده حاضرة في القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، والشعر الجاهلي.
ومن هنا فإن المقارنة بين الشعر الحساني والقريض الفصيح لا تهدف إلى المفاضلة بينهما، وإنما إلى بيان أن الشعر الحساني يمثل امتدادا حيا للتراث العربي، ويحفظ كثيرا من الظواهر اللغوية والدلالية التي اندثر استعمالها في غيره من اللهجات العربية.
ويمتاز الشعر الحساني بكثرة استعمال ألفاظ عربية أصيلة، لا تزال معانيها على ما وردت به في المعاجم القديمة ومن ذلك دون الحصر الظعينة، وهي تستعمل في الحسانية للدلالة على المرأة في الهودج أو على الراحلة، وهي اللفظة نفسها التي استعملها شعراء الجاهلية، وقد أكثروا من ذكر الظعائن في أشعارهم. ومن ذلك أيضا النجع، فيقال في الحسانية نجع القوم، أي ارتحلوا يطلبون الكلأ، وهو الاستعمال الذي تثبته معاجم العربية، وكذلك السرى، فيقال سرى الليل أو سرينا، وهو عين الاستعمال العربي الوارد في قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. وليست هذه الألفاظ وغيرها كثير من مبتكرات اللهجة، وإنما هي ألفاظ عربية فصيحة استمر تداولها في البيئة الحسانية.
وكثير من الكلمات التي يعدها بعض الناس عامية هي في حقيقتها فصيحة ككلمة الخلاء في الحسانية تطلق على الصحراء الواسعة، وهو معناها المعروف في معاجم اللغة، وكلمة الربع تطلق على المنزل أو الديار، كما في قول امرئ القيس: ألا عم صباحا أيها الطلل البالي، فالحديث عن الطلل والربع بقي حاضرا في الشعر الحساني، وإن اختلفت طرائق التعبير والصياغة.
وكذلك احتفظت الحسانية بأساليب عربية قديمة، منها الحذف اعتمادا على القرينة، واستعمال أدوات النداء والاستفهام ذات الأصول العربية، وبقاء ألفاظ مثل إلا، وغير، ودون تؤدي وظائفها العربية، وإن تغير نطقها في بعض المواضع. ويدل هذا على أن التطور الذي أصاب الحسانية كان في جانبه الأكبر صوتيا، أكثر منه تركيبيا.
وتقوم الصورة الشعرية في الشعر الحساني على العناصر الكبرى التي قامت عليها القصيدة العربية القديمة كـ"الرحالة"، والإبل، والطلل، والمطر، والنجوم، والصحراء، والكرم، والفروسية. ولذلك كثيرا ما يستهل الشاعر الحساني قصيدته بذكر آثار الأحبة ومنازلهم، وهو امتداد واضح للبنية الفنية التي عرفت بها المعلقات والقصيدة الجاهلية:
يالعكل اراع تككلت وخير اتوب اكبل ما مت إمل ذاك أذكديت تراريم أذاك الصابون
ومن الألفاظ الحسانية التي تستحق الدراسة المقارنة ألفاظ كثيرة يظهر أصلها العربي بوضوح ومنها "أگف" وأصلها أقف من الفعل وقف، و"أشوف" من الفعل شاف بمعنى أبصر، وهو فعل عربي مثبت في المعاجم القديمة، وليس من الأفعال المولدة، وآمنين من الأمن، كما في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾، و"لگط" من الفعل الفصيح لقط، و"نكدر" بمعنى أقدر أو أستطيع، وهي متصلة بدلالات الوسع والطاقة في العربية. وتكشف هذه الأمثلة أن التغير في الحسانية كثيرا ما يكون "صوتيا"، مع بقاء الأصل الاشتقاقي عربيا.
ويعتمد الشعر الحساني، شأنه شأن الشعر العربي، على الاستعارة والكناية والتشبيه وسائر أدوات البيان العربي. فإذا وصف الشاعر الكريم بأنه بحر، أو الشجاع بأنه أسد، فإنه يستعمل الصور البلاغية نفسها التي عرفها القريض العربي، وإن اختلفت بعض خصوصيات البيئة والتعبير. كما أن تشبيه الرجال بالإبل الكريمة، أو بالأسود، أو بالسيوف، يجري على الأصول البلاغية العربية المعروفة.
وإثبات الأصول الفصيحة للألفاظ والتراكيب الحسانية يغير نظرتنا إلى الشعر الحساني حيث يغدو شاهدا حيا على بقاء كثير من خصائص العربية القديمة في بيئة صحراوية حافظت على جانب كبير من تراثها اللغوي. ومن ثم فإن دراسة هذا الشعر ينبغي أن تقوم على المقارنة بالنصوص العربية القديمة، وبالمعاجم الكبرى، مثل لسان العرب، وتهذيب اللغة، وتاج العروس، والقاموس المحيط، ليتبين أن كثيرا مما يظن عاميا هو في حقيقته عربي فصيح وفي ه>ا يمثل الشاعر الكبير أحمدو ولد عبد القادر مرجعا كبيرا.
وإن الشعر الحساني لا ينافس القريض الفصيح، بل يشهد له ويؤكد امتداده، لأنه احتفظ بكثير من ألفاظه، وصوره، وقيمه، وطرائق تعبيره، فكان دليلا حيا على استمرارية العربية عبر القرون. وكلما اتسعت الدراسات المقارنة بين نصوص الشعر الحساني والمعلقات، وشعر صدر الإسلام، والعصرين الأموي والعباسي، ازداد وضوح الصلة الوثيقة بين اللهجة الحسانية وأصولها الفصيحة، وأمكن إعادة قراءة هذا التراث بوصفه جزء من الأدب العربي، لا أدبا منفصلا عنه.

