الوزير الأول.. ترسيخ المكتسبات واستشراف مرحلة تنموية جديدة

سبت, 07/11/2026 - 14:27

شكل خطاب معالي الوزير الأول، السيد المختار ولد اجاي، أمام الجمعية الوطنية، بمناسبة عرض بيان السياسة العامة للحكومة لسنة 2026، محطة مهمة في مسار العمل الحكومي، ليس فقط بما تضمنه من استعراض لحصيلة السنوات الماضية، وما شهدته من إنجازات ملموسة في مجالات البنية التحتية والخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية والإصلاح الإداري، بل أيضا بما رسمه من توجهات للمرحلة المقبلة، تعكس إرادة الارتقاء بالأداء الحكومي من الاستجابة للاحتياجات الآنية إلى تبني رؤية تنموية استراتيجية بعيدة المدى، تستمد مرتكزاتها من توجيهات رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، ومن رؤيته الطموحة لبناء دولة أكثر قدرة على تحقيق التنمية وترسيخ أسسها المستدامة.

وبرزت، بكل تأكيد، أهمية الخطاب في جمعه بين تثمين ما تحقق من مكاسب، والإفصاح الصريح عن الذي ما زال قائما من التحديات، في مقاربة تتجاوز الاكتفاء بعرض الأرقام والمؤشرات إلى استحضار أثر السياسات العمومية في الحياة اليومية للمواطنين، ولا سيما الفئات الأقل دخلا والأكثر هشاشة. كما أن تأكيد الوزير الأول أن الحصيلة، مهما بلغت أهميتها، تظل ناقصة ما دام المواطن يعاني من بعض صعوبة النفاذ إلى العلاج أو التعليم أو الماء والكهرباء أو فرص العمل، يمنح الخطاب بعدا اجتماعيا واضحا، ويضع تحسين ظروف المعيشة في صدارة معايير تقييم الأداء الحكومي.

ومن أبرز ما يميز هذا الإعلان تحديد ثلاثة توجهات ذات أولوية للمرحلة المقبلة، تتمثل في تعزيز القدرة الشرائية للمواطنين، مواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، إطلاق ديناميكية اقتصادية وزراعية في الولايات الداخلية، وإعداد رؤية استراتيجية وطنية طويلة الأمد تستشرف موريتانيا في أفق 2060. وهي توجهات تعكس إدراكا متزايدا بأن التنمية لا تختزل في توفير البنى التحتية والخدمات الأساسية، على أهميتها، بل تقتضي أيضا خلق الثروة وفرص العمل، وتثمين المقدرات المحلية، وتحقيق تنمية أكثر توازنا بين العاصمة والولايات الداخلية.

وتكتسب الدعوة إلى بلورة رؤية وطنية بعيدة المدى أهمية خاصة، بالنظر إلى ما تطرحه من ضرورة تجاوز منطق البدايات المتكررة وتغيير الأولويات مع تعاقب الحكومات، نحو ترسيخ ثقافة الاستمرارية والتراكم والبناء على المكتسبات، بما يسمح بتوجيه السياسات العمومية ضمن خيارات واضحة ومستقرة، تستوعب التحولات الاقتصادية والاجتماعية وتستجيب لتطلعات الأجيال القادمة. كما أن ربط هذا التوجه بإصلاح الإدارة، وتعزيز كفاءة مواردها البشرية، وترسيخ معايير موضوعية للترقية والتكوين المستمر، يعكس وعيا بأن نجاح الرؤية التنموية سيتحقق بوجود مؤسسات قادرة على تحويل الأهداف إلى برامج ونتائج ملموسة.

وفي بعده السياسي والمؤسسي، حمل الخطاب رسائل إيجابية بشأن أهمية الحوار الوطني، وتغليب المصلحة العامة، واحترام الاختلاف، وتعزيز التعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، إلى جانب دعوة الأغلبية والمعارضة إلى جعل التنافس الديمقراطي مدخلا لتجويد السياسات والارتقاء بالأداء العام. وهي مقاربة تؤكد أن الاستقرار لا يتعارض مع النقد، وأن الاختلاف يمكن أن يتحول إلى رافعة للإصلاح متى ظل مؤطرا بروح المسؤولية والاحتكام إلى المصلحة الوطنية.

إن القيمة الحقيقية لهذا الخطاب تجاوزت طموح الأهداف المعلنة إلى القدرة على تحويلها إلى التزامات عملية، محددة الآجال، واضحة التمويل، وقابلة للمتابعة والتقييم. فبين حصيلة تستحق التثمين وتحديات لا تزال تنتظر المعالجة، تبدو المرحلة المقبلة محملة بآمال كبيرة ورهانات تنموية مهمة، تقتضي تعزيز وتيرة الأداء الحكومي، والارتقاء بفعالية السياسات العمومية، بما يضمن الانتقال من اتساع البرامج إلى عمق أثرها، ومن تعدد المشاريع إلى استدامة نتائجها، وترجمة التوجهات الاستراتيجية إلى مكاسب ملموسة في حياة المواطنين.

وبذلك، يكزن خطاب الوزير الأول قدر بوضوح تصورا لمرحلة عنوانها الاستمرارية في الإنجاز، وتصحيح الاختلالات، وتوسيع آفاق التنمية، ضمن رؤية تجعل من تحسين حياة المواطن الغاية الأساسية للسياسات العمومية، ومن وحدة الجهد الوطني والحوار والتراكم المؤسسي شروطا ضرورية لبناء موريتانيا أكثر عدالة وتوازنا وازدهارا.